عِطر الجوافة

غلاف - عطر الجوافة

عطر الجوافة، صدر عن دار شرقيات للنشر والتوزيع بالقاهرة، 2014، تصميم الغلاف للفنان أحمد كامل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كل أحداث اليوم
لا أتذكر
إلا رائحة الجوافة.

أنا في الصيف مُهَيَّأ تماما
للحب،
لكن كل قصص الحب
تبدأ في الشتاء.

الانطباعيون يُركِّزون كثيرا
على الأغلفة
والعناوين،
وأنا
أنسى أسماء الشوارع
وأرقام المنازل،

ومن كل أحداث اليوم
لا أتذكر
إلا رائحة الجوافة.

أنا في الليل عاشقٌ مُصِّرٌ
على عدم الابتعاد أبدا،
لكنني دائما
أبتعدُ في النهار.

الانطباعيون يُفضِّلون الثرثرة
على محاولات التذكر،
والكلام “المختلف”
على الكلام الحقيقي،
وتهمهم بشِدةٍ
التفاصيل.

أشجار الجوافة
ربما يعتني بها فلاح مُسن
له زوجة مريضة،
وابن يعمل خارج البلاد،
وابنة تكره زوجها،
وأحفاد
– غالبا –
لن يقرأ واحد منهم هذا النص
في يوم من الأيام.

وعصير الجوافة
– بالطبع –
ليس خمرا،
ليجعل من التفاصيل الصغيرة
سجادة مزركشة.

هي الآن
الثانية بعد منتصف الليل،
إذا تحريتُ الدقةَ
هي الثانية واثنتان وعشرون دقيقة.

تفيدُ الدقةُ،
كما تفيد رائحة الفاكهة
في تخيل طعم العَرَق المتسلل،
من رقبة فلاحة شابة
إلى ما بين نهديها.

التفاصيل الصغيرة
تصنع اللوحة الكبيرة،
التي يمكن دائما تعليقها
في غرفة لا يدخلها أحد.

أن تتحول الساعة إلى الثالثة
يعني أن ثمانيا وثلاثين دقيقة
قد مضت،
وأن عددا من السطور
قد كُتب،
وأن سنوات لا أعلم عددها
تمر الآن
مُسرِعةً.

في مكان ما
ربما بين الفص الأيمن
والفص الأيسر،
أو بين البُطَين الأيمن
والبُطَين الأيسر،
تختبئ أشياء أتذكرها
وأنساها،
كمصباح صغير
لحظة اضطراب كهربي.

هناك أيضا
في المكان الذي أجْهَلُه
جنيات تركض،
وحدقات تضيء في الظلام
ككهوفٍ
يتعامدُ على أبوابها البَرْقُ،
وامرأة
كنتُ بعيدا جدا عنها،
لأنني ذات صباح
– ولأسباب ليست واضحة –
أفقتُ وصورة قاتل محترف
تنطبع في عيني.

في المكان الذي ربما
بين الفص الأيمن
والفص الأيسر،
أو بين البُطَين الأيمن
والبطين الأيسر،
أو في أي فراغ آخر،
وبتأثير موسيقى “شوبان”
التي ترتفع بدرجات محسوبة الآن،
تضطجع الجنيات
بين اليقظة
والنوم.

أشعر بالجوع،
والرغبة في احتضان المرأة
التي كنتُ بعيدا جدا عنها،
فَطوَّقَتني حتى النهاية
بذنب جديد.

مرة أخرى
مفردات لا يمكنني الهروب
من تكرار كتابتها،
كمفردات الصيف
والشتاء
والليل
والنهار،
وكمفردة الحب،
وكالعجز أيضا.

في نص سابق
– لم يقرأه الفلاح المسن
ولا زوجته المريضة –
كانت الرغبة قنينة،
وكان العجز قاربا.

القوارب غرف مغلقة،
أو عتبات لا يُفتَرض وطؤها،
أو شوارع لا ضرورة لحفظ أسمائها.

التفاصيل الصغيرة
لا تصنع السجادات المزركشة،
التفاصيل الصغيرة
لا تَصنعُ الأناقةَ
كما تزعم إعلانات الملابس.

والجنيات التي تغفو الآن
لا تحب التفاصيل الصغيرة،
الجنيات تحب الألوان الفاقعة
والأصوات الصاخبة
وحرارة الصيف،
لكن كل قصص الحب
تبدأ في الشتاء.

من السطر الأول
انفلت الإيقاع،
الافتقاد
لا يَرُدُّ الأشياء الغائبة،
الافتقاد
كالاثنتين وعشرين دقيقة،
التي لا أعلم لماذا كان عليَّ التمسك بها.

بعد قليل
سأتأكد من تكرار ما كتبت،
وسأقول أني مكرر
لأن كل الأشياء مكررة،
سأتأكد أيضا
من تناقض ما كتبت،
وسأقول أني متناقض
لأن كل الأشياء متناقضة.

الآن
تَدخلُ الجنيات المرحلة الأعمق
من النوم،
ويتوقف فعل الكتابة
كما يتوقف الثدي
عن الإرضاع.

تشبه محاولات العودة
بحث طفل تائه عن أُمِّهِ
في ساحة مزدحمة بأناسٍ يبيعون كل شيء،

هناك تتحسس فتاة صدرها للمرة الأولى
لتدرك أنها لم تعد طفلة،
وتتحول الطرقات
إلى دكاكين،
وتعلن مكبرات الصوت
عن الموتى،
ويموت كثيرون
بأدوية مُسَكِّنة
وجراحات تجميل
وفيروسات مُخَلَّقة في معامل سرية.

يَضِيعُ الصوتُ المفرد
يدفع ثمن نشازِ آخرين،
لم يجلس معهم مرة
على مقهى،
ولم يشتكِ لواحدٍ منهم
من الضوضاء
أو الضجر
أو الحيرة بين قرارين
لا يملك اتخاذ أحدهما،

وحين يَطردُ من ذهنه
كل ما يتعلق بالكُورَس
ويكف عن ملاحقة النوم؛
ينامُ جيدا
ويتنفس بطريقةٍ أفضل،
ويكون أكثر قدرة على تقبل الحياة،
لكنه يشك كثيرا
حينئذٍ
في قدرته على الغناء.

في كل ليلة
أزهو بمعلوماتي،
وفي كل نهار
أراقب المتسولين
وماسحي الأحذية
والباعة في إشارات المرور،
فأرى المباني
ناطحات سحاب،
والسيارات
شاحنات عملاقة،
تَنقلُ البشر إلى أماكن مجهولة
وتَتركُ المدن خالية
لا يتجول فيها
إلا الحشرات.

ماشيا
لا زلتُ…
في مدينة خالية،
أبحث عن امرأة
يمكنني احتضانها
دون أن تضع سلاسلها
في رقبتي،
وطبيب
لا يؤكد لي بشكل دوري
أن الحياة عموما
” تدمر الصحة وتسبب الوفاة “،
وشيخ
يبتسم في وجهي
قبل أن يخبرني أن مكاني محجوز
في قاع الجحيم.

يأخذني
التداعي
لأجران واسعة
وحطب
ولوزات قطن منسية في الأعواد،
لوزات مُقفلة
تحيلني للفتاة التي تحسستْ صدرها
لأول مرة،
ولبيوت طينية يخاف سكانها
من زحف الحشرات
التي تتجول في المدينة
وحيدة.

تحيلني المدينة
للمقاهي،
وهي من المفردات
التي لا يمكنني إلى الآن الهروب
من تكرار كتابتها،
كمفردات الصيف
والشتاء
والليل
والنهار،
وكمفردة الحب،
وكالعجز أيضا.

تحيلني مفردة العجز
للنصوص السابقة،
للكتب التي لا يقرأها أحد،
والمؤتمرات التي لا يحضرها أحد،
والهيئات التي تمنح الجوائز لكل شيء
وتستثني الشِّعر.

يحيلني الشعر
لثماني سنوات بلا مرآة،
للومضة الأولى
المستقرة في الذاكرة،
للوطن الملتصق بمركبة فضاء
لا تكف عن الدوران.

يحيلني الدوران
لأربع وعشرين ساعة
ليست بالضرورة أربعا وعشرين،
لوهمِ الدقةِ،
والنظريات العلمية،
وللأدوية المُسَكِّنة
التي يموت بها أبرياء،
تاركين وراءهم دويَّ الفقد
والوجع المستمر
وشيوع الاتهام.

يحيلني الاتهام
لجدران المحاكم الرطبة،
وجداول الجنايات والجُنَح،
للمجرمين الطلقاء،
والزنازين المكتظة،
وألوان الملابس الُموَحَّدة.

تحيلني الألوان
للطيور التي لم تعد هنا،
للسماء التي لم تزل في مكانها،
للقصور التي بَنيتُهَا هناك
ولم أدخلها أبدا.

تحيلني القصور
للأسوار،
والأبواب،
وأشياءٍ كثيرةٍ
مِن نُحاس.

يحيلني النحاس
بلا سبب ظاهر
للبكاء.

يحيلني البكاء
بلا فجوة خَفية
لمحاولة
العبور،
فِعْلُ التخلص
من الأخطاء الصغيرة،
تَرْك الملابس للماء الجاري
والاحتماء بشجرة قديمة.

للأخطاء الصغيرة حركة منتظمة
تُوهم بالسكون،
الماء يكشف الستر
ويهز الروابط الوهمية
بين الجزيئات.

يحتاج الاندفاع
لطاقةِ الرعد،
كما يحتاج احتمال الصوت
تمرينا على تحمل سيلان الدم
وتجاهل شكاوى الأنسجة.

الشجرة
لا ثمر لها،
الماء
لا يصلح للشرب،
السُلَّم لا ينتهي إلى نفق،
ينتهي السلم إلى القاع،
إلى شجيرات جديدة لا تُرى
إلا بعينين مغمضتين.

الشجيرات تتغذى
على الأخطاء الصغيرة،
الدم كُرَات تتناحر،
الأتربة العالقة بالملابس
تلتصق بالجذوع،
تُخربش اللحاء،
وتبحث عن مكان
يمكنها الاستقرار فيه.

البرد
يختصر الصور المتعاقبة
للهزائم،
أفعال الاسترجاع
كالدخول في أنبوبٍ رأسي
ومحاولة الوصول لطرفه العلوي.

القاع مظلم ككل القيعان،
الظلام لا يمكن التآلف معه،
الاعتياد شرط الألفة،
وآلام الظَهْرِ علة المحاولة.

الأتربة المختلطة بالعَرَق،
بُقَع الحبر،
العطور المقُلَّدة،
أثر الحديد على الياقات،
الخربشات على جذوع الشجيرات
في القاع،
عَصَابة من قماش الغصون المتهدلة
على العينين،
بداية تشكل الغيوم
في الأعلى،
الفوران
في الأسفل،
الأحمر القاني،
والكرات تتدحرج
على درجات السُلَّم.

البلورات لا تضيء دائما،
كما أن الألم
ليس شرطا لازما
للحزن.

الحزن كالفرح،
والرغبة،
ورائحة العطور الأصلية.

ليست كل الأخطاء صغيرة،
القتل ليس خطأ صغيرا،
التوهمات تصنع الأخطاء الكبيرة،
الأخطاء الكبيرة تستقر تحت الجذور.

يستلزم غرس القدم بعيدا
مزيدا من اليقظة،
نزع العَصَابة ليس ممكنا بَعْدُ،
الخشب يطفو على السطح
لكن معرفة الاتجاه
هي ما يَصْعُبُ التأكد منه.

لا تيارات،
أو أن التيارات
أكثر من إمكانية التحديد.

بين الجزيئات
لا أبالي بتمزق الأنسجة،
أتوكأ على الأربطة،
أشد الأوردة من منتصفها،
يُحْدِّثُ الشَّدُ رعدا لا يسمعه أحد؛
يفيد الصوتُ
في التأكد من إمكانية السمع،
يفيد السمعُ
حين يغيب البصر.

البلورات لا تضيء دائما،
كما أن الضحك
ليس دليلا قاطعا
على الفرح.

الفرح كالحزن،
والرغبة،
ورائحة العطور الأصلية.

خيوط الشِبَاك لامعة،
للدرجة التي تجعلها قادرة
على النفاذ خلال القماش السميك.

وحين يساعد البصرُ السمعَ؛
تكون محاولة التمييز بين التيارات
ممكنة.

وكالفوائد المُكْتَشفة للدموع
التي تمنح الأعين لمعانا مثيرا،
والابتسام
الذي يعيد للملامح شكلها الأول،
يمكن اكتشاف فوائد للجوع
والعطش،
ولتدحرج كرات الدم
على درجات السُلَّم.

أربع اتجاهات،
وتيارات متعددة،
في دائرة واحدة
ليس وراء حدودها شيء.

ابتداء الرحلة
ليس كمنتصفها،
كما أن الطريق
ليس كالغرف المغلقة
ولا الشوارع
ولا العتبات.

اللوزات تتفتح الآن،
مما يستلزم البحث عن محالج
لم يدخلها أحد.

الحرارة/
الصوت المتعالي تدريجيا،
والقدرة على التحديق في المنتصف.

القاع يبتلع التيارات؛
لا تبقى إلا التيارات الأدفأ
الأسبق
الأكثر وضوحا.

النواة لا تعكس الأضواء،
النواةُ تجذبُ المُتَرنِّحَ
بين الأنسجة
والأوردة
والأتربة العالقة
وبقع الحبر،
فيتحقق الارتطام
ويصنع الصوتُ والضوءُ
علامةً واحدةً،

لأدرك أني
على وشك
الوصول
إلى طريق
أطول من حدود القياس،
وأقصر من خطوة واحدة،

حيث يمكنُ
استعادة الوظائف الأصيلة
للحواس،
الاحتفاء
باكتمال الأجزاء،
الاقتراب
من ماهية الأسماء،
والاستغناء
عن معرفة اتجاه السير.

حيث يكون السير
يكون الاتجاه صحيحا،
حيث يكون الاقتراب
يكون الاكتمال حقيقيا،
حيث يكون الاستغناء
تكون المعرفة،
وحيث لا بداية
لا مبرر لانتظار النهاية.

لا شيء ينتهي
لأن لا شيء يدور.

لا شيء يتكرر،
لا شيء يتناقض،
لا شيء يتجزأ،
لا
شيء
أصلاً.

الاتحاد الكامل/
مصافحة القاتل المقتول،
وتَعَرُّف كلاهما على الآخر/
صورة مغايرة
لا تنطبعُ فقط
في العينين.

الحقائق ليست محصورة
في صورة
أو صوت
أو طعم
أو ملمس
أو رائحة.

الرائحة
لا تأتي من الخارج.

الداخل هو القديم،
القديم هو المستمر،
المستمر هو الخطوات.

الخطواتُ تفتحُ المسارات المغلقة
وتَمنحُ الساكنَ
الحركة،
الخطواتُ تسدُ الشقوق
وتَمنحُ المتحركَ
الإيقاع،
لتنمحي آثار التناحر
وتنتصر اللغة
للمصادر،
فلا أمشي
ولا أتوقف
ولا أنسى
ولا أتذكر
ولا أهتم باللحظة القادمة.

محو الأشياء

“دوستويفسكي” الذي كان أرثوذكسيًا متشددًا لأنه لم يعرف أنه إله،
“السنباطي” الذي تَلقَّى الموسيقى من الفردوس الأعلى مباشرة،
“بيتهوفن” الذي كتب السيمفونية الخامسة،
الأسباب التي دفعت “جانيس جوبلن” لتعاطي الجرعة الزائدة،
الأسباب التي دفعت “توم وايتس” لإدمان الكحول،
الأسباب التي دفعت “مادي ووترز” لغناء “I am the blues”،
اللون الأصفر في لوحات “كاندنسكي”،
“حياة ألكسيس زوربا”،
“صوفيا دي ميللو” التي لم تَمُت حين كان المَلِك قد مات
وانقسمتْ المملكة،
“صلاح عبد الصبور” الذي لا يدري منذ كم مِن السنين قد جُرَح
لكنه من يومها ينزف رأسه،
الجبال التي حسبوها جامدة “وهي تمرُّ مَرَّ السحاب”،
السُحب التي ظنوها هواء وهي بيوت لها أبواب ونوافذ،
العالَم الذي لا يتسع لاثنين ولم يتسع أبدا،
اللغة التي تَسببتْ في كل هذه المشاكل،
و”هناك من نثر الكلام على سجيته ليعبرَ في الحكاية”
وهناك من وقف صامتًا لتعبرَ الحكاية.

امتناني للمطر
رغم ضيقي القديم بالشتاء،
انسيابي في الليل
رغم ضيقي الحديث بالصيف،
خصومتي مع اليابسة،
صداقتي للبحر،
علاقتي المُلتَبِسة بالسماء،
عَجْنُ الصباح بالأغاني،
عجن الظهيرة بالثلج،
عجن المساء بالانتظار،
السرير الذي لا يتسع لاثنين لكنه اتسع ذات مرة،
الدخان الذي استقْبلهُ فمكِ من فمي،
خطوط كفيكِ التي أشارتْ لكل الحواف،
ألوان عينيكِ التي وَزَّعتْ الضوء في الاتجاهات الصحيحة،
ريقكِ الذي أحفظ طعمه أكثر مما أحفظ عناوين قصائدي،
أثر الرَمْل،
أثر المِلْح،
أثر الماء،
رائحة عَرَقكِ الممتزجة برائحة العطر،
رائحة عرقكِ غير الممتزجة بشيء،
رائحة الوسائد والملاءات،
التجريد،
الإيغال،
الخروج المُدوَّي من أقطار السماوات والأرض.

القُبلة التي تَرَكتُها على كتفكِ
بينما أُسْلمُ مفاتيح الوقت
لِقْطِّ العَدم،
وهناك مَن يَنظرُ مِن بعيد
ويحاول أن ينسى،
وهناك من ينظر من بعيد
ويحاول أن يتذكر.

Social Media

منذ قليل مَر الموتُ من هنا،
ومرت الحياة،
والأغاني التي استُثنيتْ من ضعف ذاكرتي،
والصور التي حذفتُها وتمنيتُ في اليوم التالي لو أبقيتُ عليها،
والمحادثات التي لم أحفظها على “yahoo messenger”،
وكان ذلك أفضل،
منذ قليل كانت أم كلثوم تعلن بقوة:
“كفاية بقا تعذيب وشقا”
وكانت نينا سيمون ترد بنفس القوة:
“I got life”،
وكان عبد الباسط عبد الصمد يُرتل بحزن مهيب:
“وإذا الموؤدة سُئلت بأي ذنب قُتلت”،
منذ قليل مرت على هذه الشاشة وجوه لقتلى ومُشوهين
في إشارة لاستمرار المد الثوري،
وأطفال مُهندمين منتمين غالبا للطبقة الوسطى
في إشارة “للرقة المتناهية” والاستعداد التام للأمومة،
وأطفال بؤساء
في إشارة للرحمة التي يُتوقع منها أن تُدخل الجنة
أو للاشتراكية التي يُتوقع منها أن تُدخل نادي النشطاء،
منذ قليل مرت وجوه رجال ووجوه نساء
ووجوه قتلى ومشوهين وأطفال مهندمين وأطفال بؤساء،
منذ قليل لم يكن العالم كله هنا؛
منذ قليل لم أكن هنا،
أما الموت الذي كان يرتدي آخر قمصانه
– منذ قليل –
فسيكون في المرة القادمة عاريا أمامي،
مثلما كانت دائما
الحياة.

ذات مرة

ذات مرة اكتشفتُ أن أسلاك الكهرباء لا تختلف عن الحجارة المدببة،
ذات مرة اكتشفتُ أن السقوط من أعلى بناية لا يختلف عن السقوط من أعلى جبل،
ذات مرة ألقيتُ بنفسي فسمعتكِ تقولين: إن البحث عن التوازن لم يكن إلا حيلة طفولية للهرب.

Katie

القطةُ الخضراءُ التي لم تكن تعلم بوجود جدار زجاجي
يَفصلُ بينها وبين البِركة التي يستحم فيها الإوَزُّ،
اختفت.

كانت الحوائط زرقاء
وظلت زرقاء.

القطة الخضراء ربما هربت
ربما ماتت
ربما سكنت جسد كائن آخر.

وكانت الحوائط زرقاء
ظلت زرقاء.

لم يعلم الإوزُّ كذلك بوجود القطة،
ولا البِركةُ علمت بوجود الإوز،
ولا الضوءُ
بوجود البِركة،
ولا الحوائطُ
بوجود الضوء.

القطة الخضراء اختفت،
والحوائط كانت زرقاء
لكنها لم تتحول إلى بحر
أو سماء.

فما الذي يمكن أن يفعله وحيدٌ تقليديٌ
لم يعتنِ بقطةٍ في يوم من الأيام،
ولم يسكن أبدا
في بيت يطل على بِركة،
ولم يفكر مرة
في استبدال أحد الحوائط الأربعة
بجدار زجاجي
يمكن أن يمر من خلاله الوقت؟

ليس بما يكفي

Image

ديوان “ليس بما يكفي”، صدر عن دار شرقيات بالقاهرة، 2010
الغلاف للفنان : أحمد كامل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين كانت الرغبةُ
قنينةً،
وكان العجزُ
قاربًا،
كنتُ الجالس في القاع
أراقبُ حركة التاريخ.

* * * 

كالأنهار الكبرى

الطيور تقتحم مخازن القمح،
الطيور كالأنهار الكبرى
والمحاربين الذين
لم يعبروا من هنا،
الطيور تقتحم مخازن القمح
وتبحث عن صنبورٍ
لم يعرف بعدُ اللصوصُ
الطريقَ إليه،
الطيور لا تحب المياه الغازية،
وأنتِ لا تعرفين الطيور جيدا.

يُلقِّنُ الغرابُ
الدرسَ الأولَ
للإنسان،
كالليل
واحدٌ
وداكنٌ
ومتهمٌ بالفجور.

تدرين لماذا أحبُّ الطيور ؟
لأنها ثابتة لا تتغير،
الأموات فقط لا يتغيرون،
يتسربون إلى القلوب الصغيرة
ويمنحون الطاقة الكاملة للأجنحة.
الطيور تقتحم مخازن القمح،
لكنها لا تلبس النظارات السوداء
ولا القمصان الضيقة
ولا تدخن مثلي
بشراهة.

تكفي علب السجائر الفارغة
لصنع مركب
يتسع لشخص واحد،
اليماماتُ لا تحتاجُ المراكبَ،
كما أن الحرب
لا تحتاجني،
تحتاجني العلب الفارغة
والأكواب المنسية
على إفريز الشُباك،
تدرين لماذا أحب الشبابيك ؟
لأن الأبواب بلا مقابض
أو أن يدي
بلا أصابع.

لأنكِ تشبهين مريم
انتظرتُ حملكِ البتولي
طويلا،
لكني أخشى على الأطفال
من نوبات الجنون
والحسابات الخاطئة،
ويدٍ لا تفتح الأبواب
ولا تُجيد الصفع
ولا تستطيع تحضير الحليب.
بيضاء أنتِ بياض الحليب
وكالسيمفونية الخامسة،
وأنا أواري سوءة العالم
وأتعرى،
لكن عُريي
وعري العالم
لا يتشابهان.

المركب لا يتسع إلا لشخص واحد
مما يعني أن النهر لا يحتمل اثنين،
وأنا
حينما ارتديت الملابس العسكرية
كان يجب أيضا
أن ألبس الحذاء الثقيل،
وألا أغني أثناء الخدمة،
وكان يجب أن أفهم
أني لست الشخص الموجود
في بطاقة التعريف،
وأن الصورة المبتسمة هناك
لا تخصني.

* * *

لا يعرف المهرج كل شيء

لم يكن يعرف المهرج
أن الفتاة التي تجلس
في آخر مقاعد السيرك
لن تبتسم مهما فعل،
الفتاة
مسكونة بالأشباح،
والمقاعد
مسكونة برؤوس مقطوعة،
والمسافة
لا تسمح بإزالة الأصباغ
أو غسل آثار المعركة.

المهرج
يلعب بجسد مطاطي
يصلح للمشي على المسامير
وعبور الطوق
وإخفاء الألغام،
والفتاة
ترغب في البكاء
وفي الصراخ
وفي الكلام،
لكنها قانعة
بدور الدرع البشري.

المهرج
يترك في البيت دفتر المواعيد
وتمائم الحزن
وطلقات الرصاص المنزوعة
من قلب المطاط،
والفتاة
تصطحب مدرستها الابتدائية
وكراسات التجارب
والزجاج المكسر
وملابس أطفال مفقودين.

المهرج
يقفز في الهواء،
والفتاة
تنظر في اندهاش،
……………………….
……………………….
……………………….
المهرج
لازال يمارس اللعب،
والفتاة
لا زالت تمارس الصمت،
والمقاعد
خالية تماما.

* * *

وأنتظرُ …

لا زلتُ أنام كل صباح
وأفيق كل ظهيرة
وأتعاطى الأيام بانتظام،
لا زلت المُخدَّر
باستنشاق الصمت،
المنزلق
كنقطة ماء على سلك كهربي،
لن تشعر بي عصافير الجنة
ولا الأتربة المستقرة على فضاء من القار،
وبينما ستكون التفاصيل تُكتب في مكان ما
بين النهر والبحر،
سأكون على أطراف ميناء جاف
أجمع المادة الخام للحلم
وأنتظرُ،
وبينما ستكون التفاصيل مكتوبة
بحبر أحمر
وعلامات بارزة
وأسهم تشير إلى اتجاه واحد،
سأكون في محاولة لكتابة رسالة غرامية
بعدما مزقتُ عشر رسائل
وأنهيت عشر حكايات
ورسمت بالقلم الرصاص عيونا
بكل درجات الاتساع،
وبينما ستكون التفاصيل آتية للطرقات تسعى
بابتسامة
وانحناءة خفيفة
وقبلة على جبين الفراغ،
سأكون قد أحكمتُ إغلاق الأبواب
وأسدلت الستائر
وأمنّْت المكان من أي لص محتمل.
لقد صبغتْ حبيبتي شعرها
ولا زلتُ أبحث عن لقاء عابر،
طُوي الكتاب
ولا زلت أبحث عن لغة،
فار التنُّور
ولا زلت أبحث عن مصير.

* * * 

في النهار

في النهار
يكون ما بين النوم
واليقظة
يقظة
لأني أسمع،
ويكون ما بين النوم
واليقظة
نوم
لأني أرى.

* * *

أول الطريق .. آخر المتاهة

هذا شباكٌ
تقف وراءه امرأة وحيدة،
لتنظر إلى باب مغلق
يموت وراءه رجل وحيد،
دون ابتسامة
أو ذكريات حقيقية
أو صداع نصفي،
رجل
وحيد
يموت،
وامرأة
لا تعرف الفرق
بين الوجع والألم،
بين اللغة والكلام،
بين أول الطريق
وآخر المتاهة.

امرأة،
ورجل،
وصداع كُلِّي
يثبت أن الازدحام
ليس دليلا على المعرفة،
وأن فراغ القلب
إشارة الانهيار العظيم.

هذا شارعٌ
يفصل بين المرأة الوحيدة
والرجل الوحيد,
يعبره العابرون بأحمالهم،
يأخذون أشياء
ويتركون أشياء أخرى،
ويغسلونه كل صباح
ببقايا أحداث ليلية.

هذه طفلةٌ
تعبر الشارع خائفة،
ينتظرها طفل
بوردةٍ
سرقها من حديقة بيت بعيد،
يرتبك في كل مرة
ويضايقه تأخر الموعد
والانتظار.

هذا بيتٌ
لا يسكنه الأشباح
ولا أبطال المسلسلات الطويلة،
يسكنه السجناء
وأصحاب الحِرف الزائلة
وبائعو الأغنيات القديمة.

وهذا كهلٌ
يسكن هذا البيت
ويزرع هذا الورد
ويختفي وراء باب عتيق،
لتمُرَّ به كل صباح
عجوز غريبة
تُنبئه أن القادم أحلى
وتحذره من شيء غامض.

* * *

من أجل شيء حقيقي

تعلمتُ من الإقامة في بيت
مُثقَّب السقف والحوائط
ضرورة تحمل البرد،
ومن الانخفاض المفاجئ للسكر
في دمي
إمكانية التعايش مع النمل،
ومن فقدكِ
تمرين الحواس على وجودكِ الأبدي.

ليست ساعة هذه التي في معصمي
هذه دائرة تسكنين مركزها،
وشريط من الجلد
يصلح كمشنقة
أو حزام ناسف
أو حبل مربوط في طوق نجاة،
شريطٌ مثقَّبٌ
كالسقف
والحوائط
والقادم الذي
كان يُفترض أن يكون مجهولا،
ودائرةٌ يحيط بمركزها اثنتا عشرة نقطة
لا يمكنها تغيير مسار النهر الكوني.

وكالنمل الذي يحتل علبة السكر،
والبرد الذي يحتل مفاصلي،
يجب احتمال ألوف الأشياء المزيفة
من أجل شيء حقيقي،
أراه وحدي
كلما اقتربت الساعةُ
بعد انتظار طويلٍ
من السادسة صباحا .

* * *

قبل بداية النهار

أنتَ هو
وهو أنتَ
وليس شخصا ثالثا
هذا الذي في المرآة،
أنتَ
والذي في المرآة
والذي يتلصص عليكما دائما
شخصٌ واحد،
تتقاسمون نفس الأغنية
وكوب الماء
والقرص المهدئ،
ثم بلا سببٍ
كالعادة
تتشاجرون.

بعد كل مشاجرةٍ
وصراخ طفولي تَوَقف فجأة
تشعرُ بالوحدة،
تحاول نسيان كل شيء،
وتنام.

المتلصصُ
يمشي في الطرقات،
يتنصت على أحلام العشاق
والفقراء الذين ناموا
بلا عَشاءٍ
والجواسيس المنتشرين
في الأزقة بوضوح،
يملأ جيوبه بالحكايات،
وقبل بداية النهار
يعود،
ينفض عنه الغبار
يزيل آثار الماكياج
ينظر في المرآةِ
يطبع للصباح صورته عليها،
ثم يلقي عليك نظرة ساخرة
وفي نفس المساحة
تحت نفس الغطاء
ينام.

* * *

أعراض تقليدية

ما الذي سيحدث
لو نسيني العالم
واحتفظتُ بذاكرتي ؟
لو أنكرتني الوجوه جميعا
وأبقيتُ على مذاق القُبلة الأولى ؟
لو فتحتُ قلبي بآلة حادة
وتركتهم يفتحون القواميس ؟

ليس هذا وجها
هذه حُفَر صنعتها الدهشة
والفاجعة
والابتسامات غير المبررة،
وليست هذه كفا
هذه فأس
وأثر لمسة أخيرة
وخريطة لمكان بعيد،
وليست هذه قدما
هذه سفينة
تغوص في بحر
لا يُفضي إلى غابة
أو صحراء
ولا يَمنحُ فرصة
للغرق.

بعض من أرقي
سيُهديني قصيدة،
وبعض من تاريخي السري
سأفضحه بلا سبب،
وبعض من الوحدة
يجعلني أقل اكتراثا باليوم
فأراه أكثر صمتا
وخمولا
وخوفا من المجهول،
فأدرك أن هذا
ليس صباحا جديدا،
هذا امتداد لليلٍ فائت
واستمرار أعراضٍ تقليديةٍ
لفقد الذاكرة.

* * *

في الليل

في الليل
يخاف الأطفال من الأشباح،
ويخاف الرجال من العجز،
وتخاف النساء من الخيانة.

وفي الليل
لا يجعل الهدوءُ العجزَ
قدرة،
ولا الخيانة
سلوكا مبررا،
ولا الأشباح
عرائس ملونة.

* * *

لي الآن أن أنام

أحنُّ
إلى عفوية الفلاحات
اللائي سلكن الطريق من قديمٍ
إلى الزوال،
وإلى الصوت الذي
لن أسمعه أبدا،
وإلى وجهي الذي
أنظر إليه كل يوم
في المرآة.

يا بساطا أخضر
لا وجود له
إلا في عين هذا الضرير،
يا مسافة
للقاء حبيبة مستحيلة،
يا يقظة أبدية
لي الآن أن أنام.

أديتُ اللعبة بنجاح،
لم يلحظ شحوبي أحد،
لم أصرخ
حين انغرس المسمار بقدمي،
“لم أقتل
ولم أسرق
ولم ألوث النهر”

لي النوم المؤبد الآن،
والحنين
لبراءة الفلاحات،
والصوت الحاضر دوما،
ووجهي الغائب
في المرآة،
وطعم اليقين.

* * *

ليس بما يكفي

لم تكن تعرفُ
حين حذفتَ الأسئلة المعلقة
واكتفيتَ بالإجابات السريعة،
أن ذئبا بداخلك
لن يُرضي عينيه هذا العبث،
ليس الذئب شريرا كما تظن
وليس طيبا بما يكفي،
كما أن فتاة
بعينين رائقتين
وارتباك مثير،
لم تكن غجرية بما يكفي،
لتسترق السمع
وتفض معك غشاء الغيم،
وحين علمتَ
أن بين الشاعر
والشارع
تبديل الأحرف،
أهدرتَ دمكَ للطرقات،
ودخلتَ مغارات الأسلاف،
شربتَ مياه النبع الأول
في أقصى حالات الدفق،
فمُنحتَ الكثير من الفضول
لرفع الغطاء
والتحديق في حالة الغليان،
فإذا بكَ لم تكن تعرف
أن النار أهم عناصرها،
وإذا بها لم تكن تعرف
أن الزئبق فيكَ
أحد أساسيات التكوين،
وإذا بكما تجهلان
أن في قربكَ ابتعادا
وفي ابتعادها قربا،
وأن الأعشاب تُكبِّل ثورتها
وأن الثورة تسكن أرضكَ المشققة،
وأن إطارا ما
لن يؤطر هذا التماهي،
لا الذئب بريء
ولا مُدان،
لا الفتاة قريبة
ولا ابتعدتْ،
ولا ما يتماهى الآن يمكن فهمه،
ولا ما يُفهم الآن يصح فيه التماهي،
ولا اضطراب الضمائر
دليل انفصام،
ولا الاقتراب من الإجابات
علامة فهم،
ولا انتهاء القصيدة
يعني الانتهاء،
فإذا وضعتَ يدكَ في القِدر
فاحترقتْ،
وإذا نظرتَ في عينيها
فلم تجد انعكاسكَ فيهما،
وإذا سألتَ سؤالا
فاستعصى عليك الجواب،
فربما كنتَ الآن قريبا
قريبا
ولكن
ليس بما يكفي.

* * *

خاص للغاية

في حجرةٍ من أربعة أمتار مربعة
وسرير واحد
وخزانة ملابس فارغة
وصورة نمطية لجيفارا
لم يعد لي شيء خاص،
ليست علبة سجائري شيئا خاصا
يدخن نفس النوع ملايين البشر
ولا “الولاعة” صينية الصنع
ولا وجه امرأة
غسلتُ للتو يدي من دمائها،
ليس ثمة جرائد قديمة هنا
ولا صور مُوقَّعة بالأحرف الأولى
ولا نصف زجاجة ماء
نسِيتْ أن تأخذها حين غادرتْ،
الحديث عن العزلة ببساطة هكذا
تقليدي جدا
ولا يروق للكثيرين،
فتحدث عن آخر فيلم رعب شاهدتَهُ
– هذا لو كنت تشاهد أفلام رعب أصلا –
تقمص دور البطل
واكتب ما ترى،
أو تحدث عن الملابس الداخلية النسائية
لأنها مهمة جدا
– بالمناسبة أراها مهمة فعلا –
تحدث عن أعمدة الإنارة
تمشي مقلوبة،
أو القطط
تلعب النرد على دَرَج المُتحف الوطني،
جَزِّئ نفسك تسعة أجزاء
– ولا تسألني لماذا بالتحديد تسعة –
ارمِ كل جزء من الأجزاء التسعة في كوكب
ونم في نصف كوكبك الذي صنعتَهُ
وتغطَّى بالنصف الآخر
ثم اسمح للنار أن تأكل المجرة،
لا تكتب عن الموتى
سبقكَ الذين احتكروا الموت
ثم وزعوه بمنتهى النهم،
لا تكتب عن الحب
ستُصِّر كل امرأة تعرفها
أنك تكتب لها
ولن يفيد الإنكار مع النساء،
لا ترهق نفسك في كسر التابو
لأنه لا يوجد إلا هناك
في الطابور الذي أمام منفذ توزيع الخبز
وعلى سُلَّم “قصر العيني”
لا ترهق نفسك في كسر التابو
اكسر ذراعك فقط
وتناول فنجان قهوتك الأخير
مستعينا بذراعك الأخرى.

بيني وبين الذي أشتهي

Image

ديوان “بيني وبين الذي أشتهي” , صدر عن مركز إيزيس للثقافة والإبداع بالقاهرة , 2009
اللوحة و الغلاف للفنان : أحمد الجنايني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

”إن جهلت أرواحنا علم ذاتها
فذلك موت والجسوم قبور
وإن علمت فالحشر فيها محقق
وكان لها من أجل ذاك نشور
فما العلم إلا بين نور وظلمة
وكل كلام دون ذلك زور “

          محيي الدين ابن عربي

* * *

كلما نويتُ اصطياد اللحظة الأولى
وجدتني صيدًا،
وأسلاك اللغة
رؤوس مدببة،
وحرق الصدر
طقس لازم للتحول.
فَردُ الجسد مسودة،
قبضٌ من تراب الشمس،
عرق الجدران،
والمخ صلصال البداية،
والقلب محل السكون.

الميلاد

ليس اختياريا
أن يكون البدء
ميلادا،
أو يكون الميلاد
هو البداية.
من بعد ظلمات ثلاث
في زمان
لا يهم،
في مكان
كالصراط،
وجوه
لا أعرفها،
جدران
غير جدار الألفة الأول،
أصوات كعناكب
وعناكب كوجوه،
ضوء همجي
صوت كنخيل يتدلى:
غريب أنت
فاحمل أسفارك،
وابحث في الوجوه
عن وجه يشبهك.

هو الأرق
مكتوب من اللحظة الأولى،
وهي الوجوه البعيدة
مهما دنت،
وهو العمر
مقصلة
وملحفة
ووهم
وحقيقة،
وعيون متحجرة،
وآبار متجددة
في الذاكرة.

أقول:
تعبت
تبتسم الأشياء،
أغمض عيني
تفتحها الأصوات،
أحمل أسفارا
فوق الأسفار،
وأوزارا
لم أختر منها
إلا الحب.
وأقول:
دعوني
فلا يسمع أحد،
وأقول:
أعود
فتهز الكونَ الضحكات.

الغربة طرق
وطرائق
والعالم غربة،
فاسلك طريقك للمنافي
وابدأ بسِفر الرعدة الأولى
واختم بسِفر الزلزلة.

شوارع
كأني من قَبلُ مشيتُها،
وبيوت
من رحيل،
وطعم الملح في الحلق
إشارات للمسير،
واحد
والقلب منثور
والجهات شرهة
وحد سكين المسافة
لا يستكين.

حَثُ الخُطى
هو القانون،
وللسوط
صوت يجسّده الأزيز
أو الدوي
أو وقع الارتطام،
مسرعا عليك العبور
وعبثا
تحاول تنظيم إيقاعك الداخلي.

للنهر أن يسافر
أياما
وشهورا،
وللحلوق الطمي
وللطرق كما تشاء
أن تستطيل،
ولكَ المحاولات
إثر المحاولات
إثر المحاولات.

حاول الفهم
قبل الاتهام،
وافهم حدود المحاولة
قبل احتشاد الزيغ
أو ضعف البصر،
لكَ عجينة الأشياء
فابحث عن العناصر الأولى
واطرق الأبواب.

باب العقل
صور لشخوص
بابتسامات لزجة
وعيون دائرية،
أصنام
وعبيد،
متغطرس يريد امرأة
لا تريده
وامرأة تحب رجلا
يهينها،
وقواد
يتكسب من قتل نساء
أخريات،
وسؤال يتمدد
لمن كل هذه الأحذية
خلف الفتارين المضيئة؟

باب القلب
تَعَبٌ،
لأن الشوارع التي شردتني
عَشِقتها،
والبيوت التي
خلف أبوابها الصدئة سُجنت
كتبتُ برماد السجائر على جدرانها
أول بيت
في الغزل،
لأني عشقت المسافة
وأجدت لعبة استدعاء الصور
باب القلب
عذبني.

باب الوطن
وباب الغربة
باب واحد،
بقفل واحد
وآلاف المفاتيح،
أختر مفتاحا واحدا
وادخل.

أبواب
من خلفها أبواب،
وصور
كشهب مندفعة
وظلام.

يا أيها الطفل عُد،
لا تعبأ بتلك الابتسامات
أجتز بواباتك الثلاث
ولا تدر وجهك للعدم.

هذه شِبَاك
أم أردية؟
خيوط
أم سلاسل من حديد؟
هذا حنان
أم مكيدة؟
يا أيها الطفل …
………………
………………

حاولتُ
وكدتُ،
ولكني من بين الوجوه
رأيت وجها
يشبهني
وأشبهه،
فنمت على صدرها
وهدأتُ.

الحب

في إحدى سنوات العزلة
والصمت،
في يوم من أيام يناير
والطقس شتائي
وحزين،
يُولد وجهكِ
من قلب الميلاد
يتجسد للأيام.

وكنتُ
بعقاقير الصبر
والصمت
والجنون
أعيش،
كنت الإنسان النصف
وكنت النصف التائه
وكنت التيه.

كان الماء مُرًّا
فألقيتِ في النهر ورقتين
من نعناعكِ الأخضر،
وكان العالم جدارين
وسقفا
وشروخا مستسلمة
لأزاميل،
لكنكِ
كشجرة رمان ضَرَبت غصونَها
حررتِ المسجونين.

وقلتُ :
اتركيني أغنى
فكنتِ الأغنية،
وقلتُ :
اتركيني أطير
فرأيتُ شبابيك العشاق،
وقلتُ :
اتركيني أيتها المرأة الحقيقية
أكسر عنق المجاز.

وحدكِ حقيقية
والصور زائفة
ورمادية،
وحدكِ تسطعين
من قلب غيمة
في عينين
وراء العالم تختبئآن،
طبيعية
كأنكِ المادة الأولى،
وطبيعيةُ عينيكِ
تفتح لي في العالم العلوي
سردابا
وباب.

لا مبرر لاستحضاركِ،
حاضرة أنتِ
في الذهول المستديم،
ضوء يتفلت
من تراب الكون
وعاصفة السكون.

ضوئي عالمك،
متناهٍ في نور القلب
إذا انجلى
والعين إن أبصرت،
مضيئة
وضاءة
ضوئية؛
لا سبيل إلى الفرار
ولا رجوع.

كالبحر
أو خطواتي التائهة
هذا الاتساع،
غابات
لا تسمح أشجارها بالاختفاء،
بيوت
بلا أبواب،
شمس ضاربة
في الجدران
وفى النوافذ
وفى الستائر
وأغطية الجسد.

وحينما تدَفقتِ
تملكني الخوف،
مرتعبا
من الانشطار
أسافر بين العيون
وأتحسس وجوه العابرين،
لا صوت غير موسيقاكِ
ولا لون
ولا مدن،
بشَعرِك أتدثر
وبملامح بسط اليد
أكون.

هاربا من الفردوس
إلى الفردوس
أسير،
بوجعي أسير،
بفرحي أسير،
بصمتي
وجنوني
وفوران اللحظات.

مدي لي حبلاً،
امنحيني قبسًا،
أو خذيني
لعالم التكوين،
اغسليني
بندى ارتعاش الفجر
بين خيطي الثبات،
ألبسيني عباءة الومضة الأولى.

وبين انتظار الليل
وشَقِ الشمس أولَ ثوب للصباح
مددتِ يديكِ،
فلملمتِ أطراف التصور
والرجوع.

يتيمان التقينا
ببضعة أحلامٍ
وغُربَتين,
اندمجت الغربتان
غربة واحدة،
وفى هدوء
تحترقين
وتضيئين الفنار،
وقلتُ:
انتظري
وقلتُ:
رمادي يتناثر
وقلتُ:
أنصهرُ
وأنصهرُ
وأنصهرُ.

من بين الجلد والعظم
تنسربين،
من بين الحلم
واليقظة،
من بين باب الفردوس
وباب الجحيم.

وحدي أصعد السلم
وأطارد الخفافيش،
اتكأ على فضاءٍ واسعٍ
ومساحات أرحب
للبكاء،
أتشظى،
في الدم بقايا
تسد ثقوب الروح،
يجعلني العبق الباقِ
شاعرا
وحزينا
ورحالة
وإنسان.

لأنكِ في يوم
من أيام يناير
والطقس شتائي
وحزين
تولدين،
وفي يوم
من أيام يونيو
في العام الذي يليه
والطقس صيفي
وقَلِق
ترحلين.

الموت
وهميةٌ
هذه الكلمة،
لأن بضعا من الحروف
تآمرت
وتشابكت
لوصف حالة
من الابتعاد المؤقت
والسكون.

ولأن مساكين
تخيلوا
أن دوران القمر
حول الأرض
ودوران الأرض
حول الشمس
ولهاث الشمس
في مجرتها
– لعبة التكرار –
نهاية العلم
وتأويل العارفين.

ولأن الشجر
شجر واحد
يحُول على الجذع التحول
ويسكن الفرعَ الحنين،
طيورٌ
إلى البدايات يحُثها الحدس
إلى الغيمة البيضاء
والوجوه الأليفة
– بدء الرجوع –
رحابة النظرة الأولى.

ولأن بيوتا
خلت من سكانها
لا زالت تشعر بالألفة معهم
وتحاورهم,
ولأن الجدران
ليست من حجر،
والصمت وهم
والغياب.

سيقول مقتفوا الأثر
وضاربوا الودع:
هذا احتفاء بالفناء،
ويقول السماسرة
تجار الصكوك:
هذه هرطقة
وفسوق.

ويقول الغريب:
ألبس جسدا،
وثياب العمر
قشور تتساقط،
صوب النور
أسير،
وقطع مِنى
على بُعد مسافة ليلٍ
تختبئ،
وأنا المسافة
والمسير.

ويقول الغريب:
جِذري إلى الأرض السابعة
مشدود،
ورأسي ألْفُ رأس
بألف طريق
تسافر،
بي يسكن العالم،
قشرة الفخار
ستار،
وبيني وبين الذي أشتهي
نقرة واحدة،
لكن الحزن
من أساس العناصر،
والنسيان الأصل
فاقبل دموع العاشقين.

ويقول الغريب:
أحب الحياة،
أحب الشوارع
بعد الفجر
وحكايا العابرين،
أحب المرأة التي
لم تعد تزوروني في الحلم،
والطفل الذي
لم يعد يبتسم،
وأحب التمدد
من أقصى الجنوب
إلى البحر،
ومن البحر
إلى قوس الغروب،
أحب أطفالا
ستأتي،
ووجهًا
سيضحك،
وأحب الدفء الذي
في عيني أمي
يختبئ.

يقول الغريب:
أحب الحياة
لكن ما يفصل
بين هذا العالم
وهذا العالم
لا أراه.